أحمد مصطفى المراغي

34

تفسير المراغي

استعداده الذي أوتيه ، وفي هذا القدر أمرنا أن نتعاون ويساعد بعضنا بعضا كما قال تعالى ( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) فنحن نحضر الدواء مثلا لشفاء المرضى ، ونجلب السلاح والكراع ونكثر الجند لغلب العدو ، ونضع في الأرض السّماد ونرويها ونقتلع منها الحشائش الضارة للخصب وتكثير الغلة . وفيما وراء ذلك مما حجب عنا من الأسباب يجب أن نفوض أمره إلى اللّه تعالى . فنستعين به وحده ، ونفزع إليه في شفاء مريضنا ، ونصرنا على عدونا ، ورفع الجوائح السماوية والأرضية عن مزارعنا ، إذ لا يقدر على دفع ذلك سواه ، وهو قد وعدنا إذا نحن لجأنا إليه بإجابة سؤلنا كما قال : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وأرشد إلى أنه قريب منا يسمع دعاءنا كما قال : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) . فمن يستعين بقبر ناسك ، أو ضريح عابد لقضاء حاجة له ، أو تيسير أمر تعسّر عليه ، أو شفاء مريض أو هلاك عدو فقد ضل سواء السبيل ، وأعرض عما شرعه اللّه ، وارتكب ضربا من ضروب الوثنية التي كانت فاشية قبل الإسلام وبعده ولا تزال إلى الآن كذلك ، وقد نهى عن مثلها الشارع الحكيم ، إذ حصر طلب المعونة فيه دون سواه ، وجعلها مقصد كل مخبت أوّاه . وفي ذكر الاستعانة باللّه إرشاد للإنسان إلى أنه يجب عليه أن يطلب المعونة منه على عمل له فيه كسب ، فمن ترك الكسب فقد جانب الفطرة ، ونبذ هدى الشريعة ، وأصبح مذموما مدحورا ، لا متوكّلا محمودا ، وكذلك فيها إيماء إلى أن الإنسان مهما أوتى من حصافة الرأي ، وحسن التدبير ، وتقليب الأمور على وجوهها - لا يستغنى عن العون الإلهى ، واللطف الخفىّ . والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على اللّه ، وهي من كمال التوحيد والعبادة الخالصة له تعالى ، وبها يكون المرء مع اللّه عبدا خاضعا مخبتا ، ومع الناس حرا كريما لا سلطان لأحد عليه ، لا حىّ ولا ميت ، وفي هذا فكّ للإرادة من أسر الرؤساء والدجالين ، وإطلاق العزائم من قيود الأفّاكين الكاذبين .